أحمد ياسوف

229

دراسات فنيه في القرآن الكريم

لا يملك إرادة الكف والمنع شأن الإنسان ، ولا يستطيع أن يضبط نوازعه ، ولا أن يفكر ، فلك تصرفاته آلية اندفاعية تعمل بدافع من غرائزه كما هو مشاهد . ففي الصورة البيانية ينتزع الجانب القبيح من ملامح الحيوان الجسمانية والغرائزية ، إننا نقرأ في سياق التصوير عن لهاث الكلب لا عن وفائه ، وغباء الحمار لا عن صبره ، والطابع البهيمي الغرائزي عند الأنعام لا فائدتها في الركوب والأكل . ونقف عند قوله تعالى وتبارك في وصف الكافر المرتد : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 176 ] ، وهنا ننتقى حال خاصة من تصرفات الكلب لتمثل ديمومة شفاعة الكفار وطول ألسنتهم وتلاعبهم بالكلمات . وهذه الحال تأتي نتيجة حرارة أجواف الكلاب وعدم امتلاكها لغدد مكيّفة كما يقول العلم الحديث ، ويجدر بنا أن نتوقف مليا عند الجاحظ ، ونتلمس عنده جمالية انتقاء الأحياء في التصوير ، وذلك في كتابه الموسوعي « الحيوان » ، إذ لا نعدم وجود شذرات رائعة ذات نظرة علمية اختصاصية بأمور الحيوان ، يمكن أن نجد هذه الومضات البلاغية في أماكن ذكر الحيوانات الواردة في القرآن الكريم . وقد قال الدكتور محمد رجب البيومي : « إن الجاحظ أستاذ علم الأحياء ، ليتهكّم خفيا بالمعترض حين يقول : « على أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة ، إلا وهي تلهث من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها ، والذي طبعه عليه من شأنها » « 1 » .

--> ( 1 ) خطوات في التفسير ، د . البيومي ، ص / 89 . وانظر : الحيوان للجاحظ : 3 / 38 .